الغزالي

179

إحياء علوم الدين

على النقل ، بأجرة معلومة منفردة عن الشراء للمنقول . ومهما لم يجر بينهما إلا المعاطاة بالفعل دون التلفظ باللسان ، لم ينعقد البيع عند الشافعي أصلا ، وانعقد عند أبي حنيفة ان كان في المحقرات . ثم ضبط المحقرات عسير . فان رد الامر إلى العادات ، فقد جاوز الناس المحقرات في المعاطاة . إذ يتقدم الدلال إلى البزاز يأخذ منه ثوبا ديباجا قيمته عشرة دنانير مثلا وبحمله إلى المشتري ، ويعود إليه بأنه ارتضاه ، فيقول له خذ عشرة ، فيأخذ من صاحبه العشرة ، ويحملها ويسلمها إلى البزاز ، فيأخذها ويتصرف فيها ، ومشترى الثوب يقطعه ، ولم يجر بينهما إيجاب وقبول أصلا . وكذلك يجتمع المجهزون على حانوت البياع ، فيعرض متاعا قيمته مائة دينار مثلا فيمن يزيد . فيقول أحدهم هذا على بتسعين ، ويقول الآخر هذا على بخمسة وتسعين ، ويقول الأخر هذا بمائة ، فيقال له زن ، فيزن ويسلم ويأخذ المتاع من غير إيجاب وقبول . فقد استمرت به العادات وهذه من المعضلات التي ليست تقبل العلاج ، إذ الاحتمالات ثلاثة : إما فتح باب المعاطاة مطلقا في الحقير والنفيس وهو محال ، إذ فيه نقل الملك من غير لفظ دال عليه ، وقد أحل الله البيع ، والبيع اسم للايجاب والقبول ، ولم يجر ولم ينطلق اسم البيع على مجرد فعل بتسليم وتسلم . فبما ذا يحكم بانتقال الملك من الجانبين ، لا سيما في الجواري والعبيد والعقارات والدواب النفيسة وما يكثر التنازع فيه ، إذ للمسلَّم أن يرجع ويقول قد ندمت وما بعته ، إذ لم يصدر منى إلا مجرد تسليم ، وذلك ليس ببيع الاحتمال الثاني أن نسد الباب بالكلية ، كما قال الشافعي رحمه الله من بطلان العقد . وفيه اشكال من وجهين أحدهما أنه يشبه أن يكون ذلك في المحقرات معتادا في زمن الصحابة ، ولو كانوا يتكلفون الإيجاب والقبول مع البقال والخباز والقصاب لثقل عليهم فعله ، ولنقل ذلك نقلا منتشرا ، ولكان يشتهر وقت الاعراض بالكلية عن تلك العادة . فان الاعصار في مثل هذا تتفاوت . والثاني أن الناس الآن قد انهمكوا فيه ، فلا يشترى الإنسان شيئا من الأطعمة وغيرها إلا ويعلم أن البائع قد ملكه بالمعاطاة ، فأي فائدة في تلفظه بالعقد إذا كان الأمر كذلك الاحتمال الثالث أن يفصل بين المحقرات وغيرها ، كما قاله أبو حنيفة رحمه الله ، وعند ذلك يتعسر الضبط في المحقرات ، ويشكل وجه نقل الملك من غير لفظ يدل عليه . وقد ذهب